محمد بن الطيب الباقلاني
232
الإنتصار للقرآن
مستحقة للتسمية بأنّها آية على الحقيقة عند من أدّاه اجتهاده إلى أنّه موضع الفصل ، وغير مستحقة لذلك في الحقيقة على قول من لم يؤده الاجتهاد إلى ذلك ، وهذا القول قريب لا دخل عليه . وقال فريق آخر من الناس : إنّ الآية إنّما سمّيت آية لانفصالها عن الآية الأخرى ، وأنّها في القرآن بمثابة البيت من القصيدة والقوافي في الشعر ، غير أنّه لا يتميّز كتميّز القوافي في موضع الرّويّ من الشعر ، لأنّ الآية ليست منفصلة عن الأخرى بمثل القافية والرّويّ من الشعر ، ولذلك اختلف في قدر كثير من الآيات ، وإنّما تنفصل الآية من الآية الأخرى بقصد المتكلّم بالقرآن إلى فصل ذلك القدر منه مما بعده وقطعه عنه ، وإذا لم يقصد ذلك لم تكن آية ولا موضع الفصل ، وقصده إلى ذلك لا يتبيّن ويظهر للحسّ . ولكن لو جعل عليه علامة من الكتابة عند رسمه لعرف ذلك من حاله ، كنحو ما يجعله الكاتب في كتابته في البياض ومدّ الأحرف في مواضع الفصول ، وإن كان من لم يشاهد ذلك ولا يعرف قصده إلى الفصل إذا أمكن أن يكون بعض الكلام متعلّقا ببعض . وإذا كان ذلك كذلك فلا بد على هذا من أن يكون اللّه تعالى قد قصد إلى قطع الكلام عمّا بعده وإفراده عنه ، فيكون ذلك موضع الآية عنده وفي معلومه ، وأن لا يكون قصد ذلك ، فلا يكون موضع آية عنده ، غير أنه لم ينصّ للعباد على ذلك ولا كلّفهم إياه ولا أمر الرسول بجدّ فيه ، فهو إذن بمثابة قول القائل : أي شيء يحسن زيد ، وقوله : سلام عليكم الذي يصح أن يقصد الاستفهام عما يحسنه أو التقليل له أو التفخيم والتعظيم . ويصح أن يقصد بقوله : سلام عليكم الهزل والاستجهال ويصح أن يريد التحية والإكرام ، فيصير مرة تحية واستفهاما بالقصد ، ويصير الكلامان تارة